طبيعةعالم المحميات

ضاية الولفة: من محجر “شنايدر” الاستعماري إلى جوهرة بيئية.. قصة نضال أحيى بحيرة الدار البيضاء

تختزن مدينة الدار البيضاء بين أحيائها قصصًا تحكي تاريخها الصناعي وتحولاتها البيئية. وإحدى هذه القصص الملهمة هي قصة بحيرة الألفة أو “ضاية الولفة”، التي تحولت من جرح صناعي خلفته شركة “شنايدر” الفرنسية إلى واحة بيئية بفضل نضال مجتمعي.

النشأة الصناعية – محجر شركة “شنايدر” (الأصول التاريخية)

لم تكن بحيرة الولفة وليدة الطبيعة، بل هي نتاج الحقبة الاستعمارية الفرنسية في المغرب. يعود أصلها إلى مقلع (محجر) كانت تديره شركة “شنايدر و سي” (Schneider et Cie) الشهيرة، والتي كانت تستخرج منه الحجارة والمواد الأولية لبناء مدينة الدار البيضاء الحديثة.

فرع الأشغال العامة في شركة شنايدر وشركاه: النشأة والتطور (1895-1949) بقلم أنييس دانجيو

التوثيق التاريخي: تؤكد الوثائق التاريخية أن شركة شنايدر، المعروفة بنشاطها الصلب والإنشائي، أسست فرعًا للأشغال العامة (Direction des Travaux Publics) وأصبحت لاعبًا رئيسيًا في المشاريع التحتية بالمغرب، لاسيما في ميناء الدار البيضاءحيث أشرفت على بناء “الرصيف ديلور” (la jetée Delure) بين 1913 و1920. كان هذا المحجر جزءًا من شبكة التوريد التي غذت هذه المشاريع الضخمة.

التحول الطبيعي والإهمال (من جرح صناعي إلى مكب للنفايات)

بعد إغلاق المحجر، تحول الموقع إلى حفرة عميقة. ببطء، ولكن بثبات، فعلت الطبيعة عملها؛ حيث تسربت المياه الجوفيةوتراكمت مياه الأمطار، لتحول الحفرة إلى بحيرة طبيعية على مر السنين.

مع التوسع العمراني السريع، وجدت البحيرة نفسها محاصرة بالمباني السكنية، لكنها أهملت وتحولت تدريجيًا إلى مكب عشوائي للنفايات ومصدر لتلوث مياه الصرف الصحي، مما جعلها “بقعة سوداء” تسبب الإزعاج لسكان حي الألفة.

شرارة الإنقاذ: نضال مجتمعي تحت شعار “Sauver L’étang”

في وجه هذا الإهمال، برز صوت المجتمع المدني. جاءت شرارة التغيير مع إنشاء صفحة على فيسبوك تحمل اسم   Sauver L’étang. قاد صاحب الصفحة نضالًا رقميًا قام بـ:

صفحة فيسبوك   “Sauver L’étang”
  • التوثيق المرئي الصادم: نشر صور وفيديوهات تظهر حجم الكارثة البيئية.
  • التوعية والضغط: نشر الوعي بأهمية الموقع ومارس ضغطًا مستمرًا على السلطات المحلية دفعها للتدخل.

التحول إلى حديقة بيئية (انتصار النضال)

بفضل هذا الضغط، تحول الحلم إلى واقع. بدءًا من عام 2017، تم توقيع اتفاقيات شراكة بين عدة أطراف، منها مؤسسة Lydec وولاية عمالة الحي الحسني، لإعادة تأهيل البحيرة. الأهداف كانت طموحة:

  • تنقية مياه البحيرة بشكل كامل.
  • تهيئة المنطقة المحيطة لتصبح حديقة بيئية عصرية تتضمن ممرات للمشي ومساحات خضراء ومناطق للترفيه.
  • إنشاء مرصد لمراقبة الطيور التي بدأت تعود إلى المنطقة.

الضاية اليوم: رمز للأمل والتحول الحضري

اليوم، لم تعد الضاية ذلك المكب المهمل، بل أصبحت متنفسًا طبيعيًا لأهالي الحي وشاهدًا على نجاح النضال البيئي. الصور والفيديوهات التي توثق رحلة التحول من بحيرة ملوثة إلى حديقة مزدهرة هي خير دليل على أن التغيير الإيجابي ممكن.

قصة ضاية الولفة هي قصة دائرة كاملة: من محجر لشركة “شنايدر” ساهم في بناء المدينة، إلى مكب للنفايات كلفتها البيئية، وأخيرًا إلى حديقة بيئية تعيد التوازن. وهي تثبت أن التغيير يبدأ برؤية مواطن واحد وإرادة مجتمع، يمكنها تحويل الإرث الصناعي إلى إرث بيئي يستفيد منه الجميع.

مصدر
La branche travaux publics de Schneider et Cie : Naissance et développement (1895-1949) Agnès D'Angio

مواضيع ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button