تحفة معمارية وإشعاع روحاني في قلب كازاخستان
يُعد المسجد المركزي (المعروف أيضًا بمسجد أستانا الكبير) في العاصمة الكازاخستانية أستانا “نور سلطان” سابقا، أحد أبرز معالم المدينة الحديثة وأكبر مسجد في آسيا الوسطى، وثاني أكبر مسجد خارج الشرق الأوسط بعد مسجد الحسن الثاني في المغرب. لا يمثل هذا الصرح الضخم مكانًا للعبادة فحسب، بل هو رمز للنهضة الوطنية والهوية الإسلامية في كازاخستان المستقلة، وشاهد على التطور العمراني المذهل للعاصمة.



التاريخ والتأسيس:
تم افتتاح المسجد المركزي رسميًا في عام 2022، تزامنًا مع الذكرى الثلاثين لاستقلال كازاخستان. أمر ببنائه الرئيس الأول للبلاد، نور سلطان نزارباييف، وأشرف على افتتاحه الرئيس الحالي قاسم جومارت توكاييف. جاء إنشاؤه ليلبي احتياجات المجتمع المسلم المتنامي في العاصمة الحديثة، وليرسخ مكانتها كمركز سياسي وثقافي وديني في البلاد. استغرق البناء عدة سنوات وتم تنفيذه بتمويل حكومي، مما يعكس أهمية المشروع على المستوى الوطني.
التصميم المعماري الفريد:
صمم المسجد المهندس المعماري الكازاخستاني “بيركوت إماشيف”، مستلهمًا العناصر المعمارية الإسلامية التقليدية مع لمسات معاصرة تناسب طابع العاصمة المستقبلية. يتميز المسجد بـ:
- القبة الزرقاء العملاقة: وهي السمة الأبرز، يبلغ ارتفاعها 83 مترًا، مغطاة ببلاط أزرق لازوردي يذكر بالقبة السماوية، ومرسوم عليها نقوش وزخارف إسلامية دقيقة باللون الذهبي.
- المآذن الأربع: ترتفع كل منها إلى 130 مترًا، وهي من بين أطول مآذن المساجد في العالم. ترمز إلى الاتجاهات الأربع وتعطي المسجد هيبة رأسية.
- السعة الضخمة: يتسع المسجد لما يصل إلى 235,000 مصلٍ في وقت واحد (35,000 داخل القاعة الرئيسية و200,000 في الساحات الخارجية الواسعة والمظللة).
- التفاصيل الفنية: يستخدم التصميم الزخارف الهندسية والنقوش الخطية العربية التقليدية (مثل آيات قرآنية وأسماء الله الحسنى)، خاصة في المحراب والجدران الداخلية والقبة. تستخدم مواد البناء الحديثة عالية الجودة لضمان المتانة في مناخ كازاخستان القاسي.
- المجمع المتكامل: يضم المسجد بالإضافة إلى قاعات الصلاة الرئيسية والفرعية، مكتبة ضخمة، قاعات للمؤتمرات والمحاضرات، فصولاً لتحفيظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، ومتحفًا للفن الإسلامي، ومرافق خدمية متكاملة.


الرمزية والأهمية:
يمثل المسجد المركزي عدة رموز:
- الوحدة الوطنية: يجمع المسلمين من جميع أعراق وقوميات كازاخستان تحت سقف واحد.
- الاستقلال والنهضة: كإنجاز وطني كبير في عهد الاستقلال.
- التسامح الديني: حيث تقع بالقرب منه كاتدرائية أرثوذكسية ومعبد يهودي، في تجسيد لسياسة كازاخستان في التعايش الديني.
- الوجهة الثقافية: جذب السياح من داخل كازاخستان وخارجها للتعرف على الفن الإسلامي والعمارة الكازاخستانية الحديثة.
زيارة المسجد:
يُرحب بالزوار غير المسلمين لاستكشاف روعة المسجد من الخارج والداخل (مع مراعاة أوقات الصلاة ولباس محتشم). تعتبر ساحاته الخارجية الواسعة والممرات المقنطرة (أركيد) مكانًا هادئًا للتأمل. يقع المسجد في منطقة “الضفة اليسرى” لنهر إيشيم، بالقرب من معالم أخرى بارزة مثل بركوت (برج بايتيريك) وقصر السلام والمصالحة، مما يجعله محطة أساسية في أي جولة بالعاصمة.
مسجد أستانا الكبير ليس مجرد مبنى للصلاة؛ إنه تحفة معمارية تخطف الأنفاس، وصرح ثقافي، ورمز للهوية الدينية والوطنية في كازاخستان. يجسد هذا المسجد الضخم بجمال تصميمه التقليدي المعاصر وسعته الهائلة، روح التطلع نحو المستقبل مع التمسك بالجذور الإسلامية والثقافية للشعب الكازاخستاني، ليبقى معلمًا مشعًا في قلب أوراسيا.



